14 - 06 - 2026

ملامح | المعلمة صفاء.. شهيدة الألف جنيه

ملامح | المعلمة صفاء.. شهيدة الألف جنيه

بينما تهل علينا نسمات 23 يوليو، التي صانت حقوق المواطن المصري ورعته، وحنت عليه وكانت جزءا منه بالأفعال لا بالأقوال.

صادفني مقطع فيديو للزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر يقول فيه "لما نقول من حرب السويس (أي العدوان الثلاثي على مصر عام 1956) أنفقنا ألف مليون جنيه في الصناعة، هذا يعني أننا مشينا في طريق الثورة.. والخطوة الأولى صعبة، ولسه فيه حاجات كتيرة عايزين نعملها، ولم نرتفع بعد لمستوى أملنا.. ولم نحقق مثلنا الأعلى، 14 سنة ولا زلنا في أول الطريق.. لكننا بدأنا بداية حقيقية، ونشعر بسلامة الاتجاه، وسلامة الخط"..

واستطرد الزعيم "عايزين الخطة القادمة 3 آلاف مليون جنيه، عشان نشتري مصانع، ونصدر.. هنقولكم فيه حاجات هنوفرها، سنركز أكثر، ونتوسع أكثر، لنتقدم أسرع لتحقيق الآمال والمثل الأعلى".

من هنا نرى أن التنمية الحقيقية ببناء المصانع واستصلاح الأراضي الزراعية، لخلق فرص عمل وفتح أسواق للتصدير لزيادة الناتج القومي.. والتقدم والبناء للمستقبل ليس بالمشروعات المعمارية.

الزعيم المهموم بالمواطن قال "قد أيه الواحد الصبح كان فرحان وهو شايف الناس لابسة كويس، وصحتها كويسة (؟) كل ده نتيجة العمل والجهد والتعب، بس هل هو ده كل أملنا (؟).. هل كل الناس لابسة كويس (؟) هل كل الناس صحتها كويسة (؟). لأ لسه، عايزين نشتغل لكل الناس، وكل الناس تلبس كويس، وكل الناس تعيش كويس، وكل الناس صحتها تبقى كويسة. وهذا، حق لكل فرد في الوطن والمجتمع".

وبينما أفكر في كلام الزعيم والواقع الذي نعيشه، والمجريات التي طرأت على حياتنا ولم تعد الصحة الكويسة، والعيشة الكويسة متاحة للجميع، والناس وشها مش منور، والمصانع تحولت لمجمعات سكنية، وانتشرت محطات الوقود، والمحلات الاستهلاكية، والأولاد والبنات غير قادرين على توفير سكن للزواج لارتفاع أسعار الشقق سواء تمليك أو إيجار..

وسط تلك الحالة فوجئت بخبر مصرع معلمة أسوان صفاء علي محمد "كبير أخصائي بمدرسة التجارة المتقدمة بإدارة أسوان التعليمية" إثر حادث سير بمدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة، والتي تبعد عن أسوان مسافة 1069 كيلو متر .. وهنا تبادر لذهني كم تتقاضى تلك المعلمة وغيرها من المعلمين نظير الغربة عن منازلهم وأسرهم، والسفر لأكثر من 13 ساعة ذهاباً ومثلهم إياباً (؟)

سألت صديقي المعلم بأحد المدارس الفنية فأخبرني أن الملاحظ (أي المراقب داخل اللجنة) لا تتعدى مكافأة الامتحانات لمدة 10 أيام ما بين 500 إلى ألف جنيه، ورئيس اللجنة ما بين ألف إلى ألفين جنيه.. ناهيك عن الإقامة غير الآدمية، حيث تقوم كل إدارة تعليمية بتخصيص مدرسة للرجال وأخرى للنساء، وذلك بفرش فصل أو فصلين حسب العدد بسرائر ومراتب من المستحيل أن تنام عليها قطتك (!!) على عكس معاملة القضاة في الانتخابات(؟!).

ويضيف صديقي المعلم البائس، ناهيك عن مصاريف المواصلات والإعاشة، يعني المبلغ الذي نحصل عليه لا يوازي في غالب الأحيان تكاليف المعيشة، ولا يتناسب مع الإقامة غير الآدمية(!!). وليس من حق المعلم اختيار البلد التي يراقب فيها كما ادعى البعض لتبرئة "مدير مدارس ماما"، الذي لا يهتم بالمعلم بقدر اهتمامه بالتلاميذ مصدر ثروة "مدارس ماما"، أما المعلم بالنسبة لـ "مدير مدارس ماما" فهو خادم للتلميذ الذي يدفع راتبه.

في حسرة يقول صديقي المعلم: تعرف إيه أحقر مهنة في مصر؟

قلت: أن تكون صادقاً، أو أميناً، أو صاحب مبادئ (هههههه)

صديقي المعلم: التدريس يا عزيزي، فالمدرس أقل راتباً، واحتراماً...

عادت بي الذاكرة إلى زمن الخمسينيات والستينيات، في عهد عبد الناصر كان المعلم من صفوة التكنوقراط، ويحظى باحترام مجتمعي موازٍ لرجال القضاء والدبلوماسية.. لم تكن ظاهرة الدروس الخصوصية موجودة بالشكل الحالي؛ فالتعليم كان مشروعاً قومياً مجانياً ترعاه الدولة، والمعلم الذي يلجأ للتدريس الخاص كان يواجه بنظرة مجتمعية سلبية جداً لأن راتبه كان يكفيه ويفيض، لأن عبد الناصر وضع سقفاً للأجور في الدولة (مثل القانون رقم 113 لسنة 1961)، حيث كان الحد الأقصى لأي موظف في الدولة بما في ذلك رئيس الجمهورية نفسه لا يتجاوز 5 آلاف جنيه في السنة (راتب عبد الناصر نفسه كان 500 جنيه شهرياً بالإضافة لبعض البدلات) وكان أجر المعلم المعين حديثاً (حامل المؤهل العالي) يبدأ براتب يتراوح بين 15 إلى 18 جنيهاً مصرياً شهرياً، مما يتيح للمعلم الشاب في الستينيات أن يستأجر شقة ممتازة (بـ 2 أو 3 جنيهات شهرياً)، ويشتري بدلة فاخرة، ويدخر من راتبه، ويشتري ذهباً (كان جرام الذهب بأقل من جنيه واحد في الستينيات).

عبد الناصر تعامل مع التعليم كأمن قومي، لأن مشروعه قام على "التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية"، لكي تبني مصانع وجيشاً قوياً، تحتاج إلى عقول، لذلك تم التعامل مع مجانية التعليم وإعداد المعلم كمعركة وجود، وتم الاستثمار في بناء المدارس، وتأسيس نقابة المعلمين عام 1955، لرعاية المعلمين صحياً واجتماعياً، وتقديم قروض وتسهيلات سكنية لهم، مما وضع المعلم في مكانة أدبية واجتماعية رفيعة جعلت المجتمع يرى مهنة التعليم رسالة مقدسة وأمن قومي، وليس كما هو الحال حالياً، بات المعلم على أقصى هامش الحياة المتدنية.

وتستشهد المعلمة صفاء علي محمد، أبنة أسوان على بعد أكثر من ألف كيلو متر عن منزلها وأهلها من أجل ألف جنيه، وإقامة غير آدمية، وهنا نسأل "مدير مدارس ماما" هل رقابة الامتحانات تستدعي تغريب المعلمين من محافظاتهم (؟) ولماذا لا يتم التغريب داخل المحافظة ذاتها (؟). أعلم أنك لن تفعل شيئاً، وربما لا تقرأ تلك الكلمات.

ولكني استدعي مرة أخرى خطاب الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر في 23 يوليو 1968، بمناسبة الاحتفال بالذكرى السادسة عشرة لثورة يوليو، في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، وهو يقول "أنا لما بمشي في الشارع وبشوف الناس.. وبشوف أولاد وبنات مصر.. وبشوفهم لابسين كويس وصحتهم كويسة.. وبشوف الناس وشها منور.. بحس بسعادة كبيرة جداً، وبحس إن الثورة دي حققت هدفها.. لأن الثورة مش بس طوب ومصانع، الثورة هي الإنسان المصري اللي استرد كرامته وقيمته وصحته".
------------------------------------
بقلم: محمد الضبع

المعلمة صفاء علي محمد.. شهيدة الألف جنيه


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | المعلمة صفاء.. شهيدة الألف جنيه